ابراهيم بن عمر البقاعي

262

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار ، أتبعها دار الأبرار ، فقال سارا لهم بإسقاط مؤنة السير وطيّ شقة البعد : وَأُزْلِفَتِ أي قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أي العريقين في هذا الوصف ، فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا ، وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم على غير هذا الوصف ، فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر . ولما كان القرب أمرا نسبيا أكده بقوله : غَيْرَ بَعِيدٍ * أي إزلافا لا يصح وصفه ببعد . ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه ، قال سارا لهم : هذا أي الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم ما أي الأمر الذي تُوعَدُونَ أي وقع الوعد لكم به في الدنيا ، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية ، وعبر عن الإزلاف بالماضي تحقيقا لأمره وتصويرا لحضوره الآن ليكون المضارع من الوعد في أحكم مواضعه ، وأبهم الأمر لأنه أكثر تشويقا ، والتعيين بعد الإبهام ألذ ، فلذلك قال بيانا للمتقين ، معيدا للجار لما وقع بينه وبين المبدل منه من الجملة الاعتراضية جوابا لمن كأنه قال : لمن هذا الوعد ؟ فقال تعالى : لِكُلِّ أَوَّابٍ أي رجاع إلى الاستقامة بتقوى القلب إن حصل في ظاهره عوج ، فنبه بذلك على أنه من فضله لم يشترط في صحة وصفه بالتقوى دوام الاستقامة حَفِيظٍ أي مبالغ في حفظ الحدود وسائر العهود بدوام الاستقامة والرجوع بعد الزلة ، ثم أبدل من « كل » تتميما لبيان المتقين قوله : مَنْ خَشِيَ ولم يعد الجارّ لأنه لا اعتراض قبله كالأول ، ونبه على كثرة خشيته بقوله : الرَّحْمنَ لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى ، وقال القشيري : التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع ، قال : ولذلك لم يقل الْجَبَّارُ أو الْقَهَّارُ * قال : ويقال : الخشية ألطف من الخوف ، فكأنها قريبة من الهيبة بِالْغَيْبِ أي مصاحبا له من غير أن يطلب آية أو أمرا يصير به إلى حد المكاشفة ، بل استغنى بالبراهين القاطعة التي منها أنه مربوب ، فلا بد له من رب ، وهو أيضا بيان لبليغ خشيته . ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت ، قال : وَجاءَ أي بعد الموت بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * أي راجع إلى اللّه تعالى بوازع العلم ، ولم يقل : بنفس ، لطفا بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم وصدق الندم .